|
ها قد جاء أخيرا فصل الشتاء، بلياليه الطويلة السوداء .... وبفجره النائم الكسول ... بهدوئه ... بسكونه .... ببرده القارس ... بيومه القصير ... وحبيبات الثلج تتطاير كالغبار ... تحمل رائحة الثلج ... تدخل أنفي فأحس بأوجاع في كل مكان بجسدي ... أحس بعطش إلى الشمس ... بجوع إلى الأنهار .... فصل طويل يتسرب في عروقي لدرجة أن روحي تصبح باردة ... متجمدة ... ولا يأتي ذلك الصيف القصير ....وتلك الشمس القطبية .... شمس منتصف الليل .... حتى أحس أن روحي ستزهق أو زهقت .... هذا الفصل القصير يذكرني بوطني .... بشمس وطني .... بدفء حرارته ... بحرارة ناسه .... بطبيعته المتنوعة ... بجباله ... بصحرائه .... بهضابه ... بسهوله ...
آه! كم أتذكرك يا وطني عندما يأتي الصيف في النرويج. وكم أتوق إليك عندما يحل البرد هنا، ويغطي أسلو رداء أبيضا من الثلج ... كما يغطي قلبي بخمار أسود من الحزن عليك يا وطني ...!! أاقسو عليك أو على نفسي ... ؟! أاكرهك أو أكره نفسي ...!؟ تركتك كارها والرجوع إليك مستحيل ... ابكي عليك كل يوم ... وأبكيك كل صبح أغادر بيتي إلى عملي.
أرثيك للثلج وللأشجار ... ماكان الثلج يحس بي ... وما كانت الأشجار لتسمعني ....
ها هو عيد الميلاد اقترب مجيئه، وبعده مباشرة تأتي سنة جديدة ... ويليه عيد ميلاد آخر ... وسنة أخرى، وبيني وبينك مسافات مستحيلة يا وطني.
ضحكت عاليا غير مبال وانا أمشي بين شوارع أسلو، غير مكترث للإكتضاض الهائل: سيارات ... قافلات ... ترامواي ....تمشي باستمرار في الشوارع على مدار الساعة. ترى الناس في كل مكان. في المطاعم، في البارات، في المحلات .... محلات مليئة .. مكتظة ... طوابير طويلة ..ز الكل ينتظر دوره لدفع ثمن هدية عيد الميلاد. الكل يريد أن يفاجأ حبيبه ... صديقه .... أخوه .... ابنه ... زميله في العمل ... زوجته ... الكل ينتظر تلك الليلة التي يلتقي فيها الأهل والأحباب ....
_ من سأفاجأ ... ولمن سأشتري هدية ... لمن سأعطيها ..... من سأفرح ويفرحني ولو سويعات ..!؟
مازلت أمشي إل أن دخلت مركز ( أسلو سيتي). سمعن عجوزا تقول لزوجها وفي يدها أكياس من الهدايا : " عيد الميلاد ... من دون سقوط الثلج ليس عيدا ....."
ضحكت في نفسي ... فليتأخر أو لا يأتي على الإطلاق يكون أحسن ....
مررت بمركز ( جينريوس) وقعت عيني على دكان شرقي مليئا بالأاكسسوارات والملابس العربية ... انشرح قلبي .... فسرح عقلي إلى يوم العيد في وطني. لمحت فساتين نسائية شرقية، فتخيلت أمي وأخواتي يرتدينها وهن يحمن في اليت كعادتهن ... ينظفنه ... يزينه ويصنعن الحلوى بمناسبة العيد ... إقتربت من الدكان ... دخلته .... شممت رائحة جميلة ليست بغريبة .... جعلت روحي تطير إلى وطني ... تبعت الرائحة وكلما اقترب إلا والرائحة نزداد عطرا وشذى ... وعندما وصلت إلى منبع تلك الرائحة وقعت عيني على علب البخور، فخملني عبق عطرها إلى المسجد يوم العيد في وطني. يا إلله ! ماذا أرى ...!! علب الحلوى ... حلوى ( جبان كلبان) ... الحلوى التي كان الكبار يعطونا إياها يوم العيد ... سبعة وخمسون سنة مرت ومازلت كما انت يا جبان كولوبان ... لم تتغيري أبدا ... سأشتريك وأوزعك على الأطفال هنا ... سأوزعك كما يوزع بابانويل هداياه ... أكيد أن الأطفال هنا لايعرفونك ... لكنهم سيحبونك لأنك (حلوى) وهم (أطفال)......................
إشتريت العلبة واشتريت معها قناع بابا نويل ... وضعته على رأسي وكلما أشاهد طفلا صغيرا ... أخرج من العلبة قطعة أمدها له وأقول له جبان كلوبان وسنة سعيدة .... يبتسم الطفل ويجيبني: شكرا ... فرغت العلبة قبل أن أغادر أسلو سيتي ... ولم يعد هناك شيئا أوزعه .... يجب أن أذهب إلى إحدى المقاهي بمحطة القطار علني أجد أح أعرفه وأدعوه على فنجان قهوة ... وفي طريقي إلى المقهى أرى شجرة عيد الميلاد كبيرة تصل السقف ومزينة بالأضواء ... وحشد من الناس على شكل دائرة وصوت مرتفع يتادي من يشتري ... إنه المزاد ... استغربت لأول مرة أرة مزادا بمحطة القطار.
إقتربت من الحلقة ودفعني الفضول أن أتوغل أكثر لأرى ماذا يباع ....
ملابس نسائية واحذية للمشاهير في النرويج .... وصاحب المزاد يرفع من صوته عاليا لكي يسمعه للجميع ولو بيده ميكرفون وعيناه تبرقان بالفرح بالعيد .... بالفرح بإقبال الناس عليه ... كل يريد أن يشتري من خاصيات المشاهير .. والنقوذ ستذهب لمساعدة الأطفال ( .... هناك ....)
بدأ صوت البائع في المزاد يعلو وفي يده حذاء لإحدى الممثلات النرويجيات
_ حذاء جميل يليق بصاحبته ... حذاء دعس السرايا والقصور .... حذاء دخل أرقى الحفلات ... وشارك في أجمل مهرجنات ... حذاء ينم على أناقه صاحبته وغنج صاحبته ... يتطلع إلى الناس ... ثم يتطلع مرة أخرى إلى الحذاء يتغزل فيه وفي صاحبته و يضيف يا ما دخل هذا الحذاء قصر الملك وربما حظي بدعسة من حذاء الملك ...
ارتفعت الأسعار كل يزيد في السعر إلى أن حظيت به امراة في الخمسينيات .....
ثم حمل بيده حذاء رجاليا وابتسم وهو يتطلع إلى الحذاء ... حول نظره للحشد وابتسم ثم فتح فاه صارخا ....
_ حذاء رئيس الوزراء .... من يشتري حذاء الرئيس ... 500 كرونة ... يتطلع إلى الناس مرة أخرى ولكي يزيد في السعر قال: يا ما وقع الرئيس أهم القرارات وهو يلبس هذا الحذاء نطق واحد من الجمهمور 600 كرونة تطلع البائع مرة أخرى إلى أعين الناس يتفحص إهتمامهم وأضاف حذاء الرئيس هذا لبسه عندما وقعت معاهدة أسلو ... علت أصوات من هنا وهناك والأرقام تتطاير من شتى الجهات بتلك الحلقة: 750 كرونة .... 900 كرونة .... 1500 كرونة ... 2000 كرونة ثم توقف الجمهور عن الكلام أما المزادي نظر مرة إلى الحذاء وقال حذاء يدخل ابرلمان كل يوم والقصر الملكي كل يوم خميس ... حذاي يعرف يعرف صاحبه السلام وينادي بالسلام ... توقف عن المدح ..... نطق واحد نرويجي: كم رقم الحذاء
_ أجابه المزادي
_ 42
وقال النرويجي 2000 كرونة
قفزت من مكاني صارخا ثلاث ألاف كرونة
بدأ الكل يتطلع إلي ومن حماسي وانا غير مبال بأحد إلا بالحذاء ... دفعت الثمن ثم انصرفت ... وفي طريقي إلى بيتي كنت أتمعن في الحذاء ....
تطلعت إلى يميني وشمالي ... اختلس النظر إن كان أحدا ينظر إلي خلعت حذائي ... لبست حذاء الرئيس ... أحسست بزهو ... وبخطواتي غير خطواتي ... أمشي وكأنيي طائر على بساط الريح ... تخيلت حالي في قصر الملك أناقشه مشاكل الرعية ... تخيلت حالي مدعوا في القصر للإحتفاء بملك من الملوك الغير المغضوب عليهم ولا الضالين ... تخيلت نفسي ... تخيلت نفسي أوقع معاهدات السلام من الشرق إلى الغرب ... أدعو إلى التحالف الإنساني ... تخيلت نفسي أرقص مع ابنة الملك
شعرت بنقمة عليك يا وطني .... أرى فيك بقايا عمري وأوهامي ... عن شعب ينام حتى الصبح بسلام .....
آه عليك يا وطني ...! هناك المرء يمنع من الإقتراب من بيت الرئيس وإلا يقاد بسلاسل من حديد ويرمى في سجون الصحراء للكلاب والعنقاء .... منعتني أرى رئيسي ... لكنني هنا ألبس حذاءه
ضحكت عاليا وأنا مازلت أمشي .... في طريقي إلى بيتي أخطو بزهو ونعالي حذاء الرئيس ....
* قصة من مجموعة قصصية ستصدر قريبا عن دار نشر اسكهاغ في النرويج |