|

في سابقة له، أقام " معهد العالم العربي " في العاصمة الفرنسية مهرجانه الشعريّ الخامس بصوت المرأة الخالص تزامنا مع عام المرأة. وتمت فعاليّات المهرجان في إطار تظاهرة "ربيع الشعراء" السنوية والتي يتحلّق فيها شعراء فرنسا مع قرائهم يجوبون ساحات باريس وميادينها ليلقوا قصائدهم في الفضاء الطلق وضوء الشمس، الذي يتسلل عبر رقائق الجليد، بعيدا عن حوائط الأبنية والأضواء الصناعية. وتنطلق هذه التظاهرة عادة في مارس من كل عام احتفالا بقدوم الربيع باعتبار الشعر هو ربيع الكلمة إن جاز القول.
شاركت في المهرجان حوالي خمس عشرة شاعرة عربية وفرنسية. مثلّت كلَّ بلدٍ من البلدان العربية شاعرةٌ واحدة منه، وبالرغم من غياب بعض البلدان العربية مثل العراق واليمن والسودان وقطر لكن الحضور العربي كان قويًّا إلى حدِّ بعيد سوى أن غياب صوت العراق مثّل خيبة أمل للشاعرات المشاركات وللحضور على السواء.
شهدت قاعة المجلس الأعلى بالدور التاسع من معهد العالم العربي الذي يطلُّ على السين فعاليات المهرجان التي امتدت أمسياته ثلاث ليال من الخميس 11 من مارس الحالي وحتى السبت 13 من نفس الشهر. على أن يُختتم بانطلاقة التظاهرة في ظهيرة اليوم الرابع.
معهد العالم العربي هو أهم واجهة ثقافية للحضارة العربية خارج حدود الوطن العربي الجغرافية. وهدفه الرئيس (التعريف بالحضارة العربية وتجسيد جسر ثقافيّ بين العالم العربي وفرنسا عبر تعميق دراسة ومعرفة ولغة وحضارة العالم العربي، وتطوير ودعم التبادل الثقافيّ في مجالات التقنيات والعلوم والإبداع، وبالتالي تطوير العلاقات بينه وبين فرنسا وبينه وبين أوربا). وهو معلم سياحي هام يتردد عليه السواح من مختلف الدول، ويقع المبنى على مساحة 2750 مترا مربعا في قلب العاصمة التاريخي على مقربة من كاتدرائية نوتردام الأشهر. تم افتتاحه في ديسمبر 1987 . وقد بني هذا المبنى على الطراز ما-بعد الحداثي في العمارة. حيث الوظيفة تكشف وجهها وتتفاعل كأحد مفردات الشكل داخل البناية. فلا أعمدة ولا كمرات خرسانية مدفونة داخل الحائط مثلما نجد في العمارة التقليدية، لكن المبنى ذا الطوابق التسعة كاملا من المعدن والزجاج فقط ، حتى المصاعد وهيكل المبنى من المعدن والزجاج بحيث يمكنك رؤية كامل البناية بأدوارها المختلفة من أية نقطة فيه. واجهة المبنى الشمالية تمثل مرآةً عملاقة تعكس نهر السين والأبنية المواجهة له. ولأن المعهد يقوم على نشر الثقافة العربية في باريس، فقد حاول المصمم مزج الطابعين الشرقيّ والأوربي في تصميمه، فأخذ من الغرب التجريد والوظيفة والتكثيف، وأخذ من الشرق واجهاته التي زوّدها بمحاكاة ( ما-بعد حداثية) للمشربية العربية، غير إنها من المعدن الخالص وتفتح وتنغلق عن طريق خلايا ضوئية تتأ0ثر بمدى سطوع ضوء الشمس الساقط عليها. ولا أدري إلى أي حدٍّ نجح المصمم في محاكاة المشربية الإسلامية بكل جمالها النابع في الأساس من بساطة تصميمها وعمق فلسفتها، إضافة إلى تفرّد مادة الخشب بدفئه وحميميته واتساقه مع الطبيعة ومع الإنسان !!
أقيمت في كل يوم أمسيتان شعريتان، الأولى من الثالثة بعد الظهر بتوقيت باريس وحتى السادسة والنصف. والثانية من الثامنة وحتى العاشرة مساء . في مساء اليوم الأول تم تكريم الشاعرة الكويتية د. سعاد الصباح، راعية المهرجان هذا العام، على أن يتم تكريم اسم الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان في مساء اليوم الثاني.
بدأ المهرجان بكلمة افتتاحية ألقاها د. معطي قبّال مدير المعهد شكر فيها الشاعرات المشاركات اللواتي أتين من مختلف الأقطار العربية من مشرقه إلى مغربه للمشاركة في هذه التظاهرة في مثل تلك الظروف الاستثنائية والعصيبة التي يمر بها المجتمع العربي في هذه الآونة. وقال أنه كان يتمنى ألا يغيب صوت من الأقطار الشقيقة غير إن الظروف حالت دون ذلك و إنه سعى أن يتم اختيار الشاعرات على أساس التميز وصفاء الصوت الشعري. وفي الكلمة الافتتاحية التي ألقاها رئيس المعهد د. ناصر الأنصاري تكلم عن الحوار المستمر مع الغرب من أجل تصحيح فكرة الغرب عن المرأة العربية وقال إن تكريم سعاد الصباح هو تكريم لكل مبدعةٍ عربية مشيرا إلى دورها النضالي ومواقفها الإنسانية خاصة مع العراق في محنته. وأشار د. الأنصاري أن هذا المهرجان قد يكون الأخير نظرا للأزمة المالية التي يمر بها المعهد.
بدأ فعاليات المهرجان بقراءات بالعربية والفرنسية، تتخللها وصلات موسيقية من العود الشرقي والدرامز الإفريقي. قامت كل شاعرة عربية بإلقاء قصائدها بالعربية ثم تلتها ترجمةٌ لإحدى نصوصها بالفرنسية تقرأها كلٌّ من باولا بروني سانشو و ليندا الشايب وهما ممثلتان في المسرح الغنائي الفرنسي، صاحبهما العزفُ الشرقي على العود قام به العازف التونسيّ نبيل الخالدي وهو عضو بفرقة الموسيقى القروسطية في مدينة مونبيلييه.
في اليوم الأول قرأت قصائدها كلٌّ من نجوم الغانم من الإمارات، مالكة العاصمي من المغرب، أشجان هندي من السعودية، نجمة إدريس من الكويت، فاطمة ناعوت من مصر، وردينة الفلالي من ليبيا. وفي اليوم الثاني الجمعة قرأت كلٌّ من زُليخة أبو ريشة من الأردن، كلود بير من فرنسا، نصيرة محمدي من الجزائر، أمال موسى من تونس، أمانويل بيرير من فرنسا، نبيلة الزباري من البحرين، وهالة محمد من سوريا. وفي اليوم الأخير ألقت قصائدها كلٌّ من برناديت أنجيل، و جويل باسّو، وإيستر تيللرمان من فرنسا، جمانة حداد من لبنان، وبيسان أبو خالد من فلسطين.
في أمسية اليوم الأول، تفاجأ الحضور، وسط فرحتهم، بحضور د. سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب الذي أصرّ على مشاركة الشاعرات يومهن بإلقاء كلمة تحية للمرأة العربية المبدعة التي غُبن حقها كثيرا في ظل سيادة الإبداع الذكوري وامتلاء المشهد الأدبي به. حتى أن التاريخ كثيرا ما يذكر رواد الشعر العربي الحديث منذ البارودي وحتى حجازي متناسيا شاعرات مهمّات مثل نازك الملائكة وفدوى طوقان وسعاد الصباح وغيرهن. وكم كانت لفتة كريمة منه أن يتحامل على مرضه الشديد ويصرُّ على المشاركة في مهرجان المرأة الشاعرة، بل ورفض الجلوس أثناء إلقاء كلمته بالرغم من حال الإعياء التي كان يمر بها حيث يتواجد في باريس هذه الأيام للعلاج. تكلم د. سمير سرحان عن دور المثقفات العربيات ومسؤولياتهن في تصحيح فكرة الغرب الخاطئة عن المرأة العربية. وأثنى على فكرة تجمع الشاعرات في مهرجان أوربي كهذا ليعلم الغرب أن الشرق يزخر بالإبداع النسائي. وقال أن تحجيم دور المرأة هو تعطيل للمجتمع وعرقلة لمسيرته. تناول أيضا د. سرحان دور المرأة في الحراك الفني والإبداعي قائلا أن مشاركة شاعرات من مصر والسعودية والكويت في مهرجان شعري في باريس لهو دليل على تمتع المرأة العربية بكامل حقوقها الاجتماعية وفي هذا ردٌّ على ما يقال بشأن حرمان المرأة العربية من أي حقٍّ لها في وطنها الاجتماعي والسياسي والإبداعي. كما تكلم عن دور المرأة المثقفة العربية في الحياة الاجتماعية إلى جانب دورها في النضال وإنهاض الوطن مشيرا إلى نضال الشاعرة الكويتية د. سعاد الصباح ونشاطها الفعليّ في الجمعيات الأهلية الخيرية. فقد تحولت من شاعرة رومانسية رهيفة إلى نمرة شرسة وقت احتلال بلادها تجوب شوارع العواصم الأوربية وتقود المظاهرات ليرتفع صوتها مناديا بتحرير وطنها. وهكذا كان على سعاد الصباح أن تعدو إلى صفوف الرجال في القبيلة لتتكلم باسم وطنها. وقال د. سرحان أنه كتب عن سعاد الصباح أنها غمست مدادها في قلوبنا وأحلامنا ومشاعرنا فعبرت عن مكنون دواخلنا رجالا ونساءً في لحظات الألم ولحظات النشوة فلم يعد شعرها نسائيا يعبر عن المرأة فحسب، لكنه شعرٌ عظيم وكفى. والشاهد أن د. سمير سرحان كان يكرّم في شخص سعاد الصباح كل نساء العرب اللواتي كسرن قيود القبيلة وانتزعن حريتهن عن استحقاق بعدما أثبتت عقولهن أن العقل لا نوع له. ثم قام د. ناصر الأنصاري بإهداء سعاد الصباح الميدالية الفضيّة للمعهد قبل أن تلقي قصائدها.
وجاء تكريم اسم الراحلة فدوى طوقان في أمسية اليوم الثاني حيث بدأ بفيلم تسجيليّ عن الشاعرة الفلسطينية الكبيرة متضمنًّا بعض أحاديث حيّة لها ثم كلمة ألقاها الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي عن مسيرة فدوى طوقان وتجربتها الإبداعية وتحولاتها المتزامنة مع الواقع السياسي العربي والفلسطيني عبر نقاط مفصلية تاريخية محددة . وبعد هذا أُلقيت بعض قصائد للشاعرة الراحلة قرأتها الشاعرة الفلسطينية بيسان أبو خالد. ثم تلتها قراءة ترجمة بالفرنسية لأشعارها.
في اليوم الرابع للمهرجان الاحد في 14 مارس تمت تظاهرة الشعر الفرنسي: من الثالثة بعد الظهر حتى السادسة خلال حفل شعري مفتوح بالاشتراك مع ربيع الشعراء في فرنسا، وقراءات بالفرنسية مع ج. لانسلم، س. داغتكين، ب. ديلافو، ب. ديلبور، أن. لانس، ب. مازو، ل. ميزون، ج. بورتانت، ب. ريو، سافو، إ. تيلليرمان. ويدير اللقاء جان - بيار سيميون. ومن السادسة مساء حتى السابعة والنصف تعزف موسيقى وأناشيد روحية، تقوم بالغناء فيها حسناء زلاغ من المغرب، ويقوم بالعزف نبيل خالدي . وفي القسم الثاني من الحفل تؤدي فرقة الأدوار لحوة موسيقية مع عائشة رضوان (غناء وتأليف موسيقي)، صلاح الدين محمد (قانون)، حبيب يمين (دف ورق وتأليف موسيقي)، و تمام عكاري (عود).
نماذج من قصائد الشاعرات المشاركات:
برناديت أنجل- رو
كما ترمش العيون بدون أن تبكي قبالة الشمس الهابطة، كما نعضّ على المعاصم الهزيلة للعذاب، كما نذهب ممتلئين بالخشية تحت الأيدي المحلّقة للظلام، كما نمشي في حدائق الفجر للاغتسال من الخوف، أعيش بدونك. مثل أولئك الواقفين عند تقاطع العواصف منتظرين رسائل قد لا تأتي ، كما يضع المعذّبون بالرجاء قرابين خاطفة فوق الحجر العاري، كما يتضرّع المحاصرون أو الذين ينامون فوق تعبهم، - آه من أولئك الحرّاس العديمي الشفقة الكامنين في أدغال الدم والذين يشيعون الاعتقاد بعودتك، بصوتك، بيديك، بحصول هدنة في النهاية – مثل الغرقى الذين يكفي اسم واحد لملء فمهم أكثر من الماء الأسود، أعيش بدونك.
أشجان هندي
الهدهد يترصد بنساء الأرض يخبر من لم يبعثه إليهن عن أحلاهن ويشي بذوات الأبراج ذوات التاج، ذوات الفل، المبتل، على صدر من عاج يشي بالأقوى، ثم الأحلى، ثم الأكثر إغراء ثم يضمد شفتيه، من جرح وشايته، وينام.
كلود بير
أقول بالفرنسية كلمة بحر. البحر بالفرنسية يقول البحر بالعربية. تقول بالعربية "سماء" ومعادلها بالفرنسية، وتقول "بحر" بالعربية ومعادله بالفرنسية. ثمّ تتأرجح بين كيانين أزرقين. بين لغتين. هنا حيث القافية تسمى محيطاً. بحر (بالعربية)، هذا البحر الغريب الحامل موجته مثل جفن متحسّساً الأرض بعينه. متمليّاً جماع الأرض بهذه العين التي تتقدّم. ثمّ يقلّص حدقته. ينسحب إلى داخل قلبه البحري. وينخفق بالقول "بحر" بالعربية و"بحر" بالفرنسية. ومن ثم يرجع حاملاً حواشي كبيرة لشفاه بيضاء. يتغضّن، .يتعاظم. يلفّ ويكوّر على الأرض بين أسنانه زبداً متتالياً. بحر(بالعربية) يسمّى البحر (بالعربية). وأنا (بالفرنسية) لم أعد أنا ذاتي بل أنا (بالعربية).
نجوم الغانم
لا أقدر على غزل حواشي اللغة أو تكرار العتب و عندما أخرج للهواء الطلق تداهمني فواجع لم تكن بالبال ولم يتهيأ لها قلبي لأنني تصورت أن الملائكة تحرس غفلتي وأن الآلهة تعرفني كمعرفتها بأبنائها. لكنني استيقظت على أرق الليالي لأجد في الأحلام علامات لم أفهمها حينها ولم تسعفني اليقظة على قراءة ما كان بين سطورها.
إيمانويل بيراير
ذلك الشيء الذي يتواجد في هيئة خشب حرجي ليس أبداً شجراً بما فيه الكفاية وهو مع ذلك يدندن منذ الصباح فوق مساحة ظاهرة حيث نراه طافياً بين عشرات القطع الخشبية المزيّفة؛ هذا المتسع الذي يترجرج وسط النور الخفيف، ونصفه غائص في اللعبة فيما نصفه الآخر تلاشى مسبقاً منذ زمن طويل بعيداً عن الأنوار، ماكثاً من ذي قبل ومنذ زمن طويل في الظل، هذا المتسع كيف لا نحبّه، فالأحرى بنا أن نطلب وننشد هذا.
زليخة أبو ريشة
اخذتني الريح إلى سرتي و أرتني. كيف لا تتغبر بالبخور الكلمات التي مرت هناك؟ فوق ذلك العشب المتعالي . . كيف لا يأتي الوقت الذي حسبناه كلاما؟ ولا يمد يده إلى رأس تايكي ويعدل تسريحتها؟ ويشرح لها المشكلة؟
جويل باسّسو
تعالَ واجلس هنا في الظلّ إنّني بالكاد أتعرّف عليك إذ من النادر جدّاً أن نلتقي حكّ معصمك بمعصمي ولنشربْ انظر، ثمة سطوح من حولنا، أغصان شجر نقاط مضيئة لم يبق منها الآن شيء، الظلمة وأنفاسنا هذا المساء تأتيني الكلمات منتصبة مثل خفقان في قمّة أعصابي جمرة وسط الرماد.
ردينة الفلالي
كل شيء فيك يصرخ أنك حواء في عينيك لؤم الثعالب طهر الأنبياء لسعة شفتيك مزيج من الثورة و الحياء طفلتي وصفك لا بدء فيه و لا انتهاء أيا امرأة تنطق على لسانها ملائكة السماء أيا امرأة أضاءت في الروح عواطف ظلماء كوتني بنارها، و قالت من الكي يأتي الشعراء أدخلتني جنتها، فكنت في الحب أول الشهداء.
فاطمة ناعوت
سيأتي العرافون عما قليل يوزعون تغريبتي على اثنتين وخمسين بطاقة تفترشُ أرضَ الردهةِ أخطو فوقها مُطْرقةً و أخطئُ العدَّ بينما طعمُ البخورِ التركيّ يخنقُ رئتيّ بألفِ كافكا، ومسيحٍ وحيد فيقفُ النداءُ فوق لسانٍ أجهدَه السؤال "الغوث" . لكن، سيخرجُ الغيمُ كعادتِه كلَّ مساءْ يسترقُ السمعَ لصوتِ الله فيما يسقي نبتةَ الشرفةِ البيضاءَ هناك خلفَ الزرقةِ البعيدة عند انشطارِ الحقيقةِ فوق الحافةِ المكسورةِ لزجاجةِ المصلْ. |