|
تعددت التحليلات والإسهامات والمقالات والتقارير التي تتحدث عن الإنتفاضة، بمناسبة الذكرى الثالثة لإنطلاقتها. ولعل المراجعة السريعة لما كتب عن نتائج هذه الإنتفاضة في نهاية عامها الأول ومن ثم في نهاية عامها الثاني ومقارنة ذلك مع ما يكتب الآن، تشير إلى تقارب كبير فيما قيل ولا يزال يقال وخاصة ما يتعلق بالإنجازات والمكاسب. وإما الفارق في التقارير والتحليلات فيظهر بشكل جلي بصورة المخاطر التي تتعرض لها ويتعرض لها الشعب الفلسطيني.
فرهان القيادة الفلسطينية الذي كان له ما يبرره في البداية على أنه كلما تصاعدت وتائر العدوان والإجراءات العسكرية اِلإسرائيلية، كلما تزايدت وإرتفعت وتائر الإسناد والتضامن العربي والدولي مع الشعب الفلسطيني، لم يعد رهانا سهلا او في متناول اليد، حيث تكاد تسير الأمور الآن في الإتجاه المضاد. وهذه مسألة خطيره تستوجب الكثير من العناية والإهتمام ولا يجوز تجاهل أسبابها أو أن تدفعنا لإهمال القانون الموضوعي الرئيسي للنضال الوطني الفلسطيني والذي يشكل أحد أهم مقومات نجاحه.
ويمكن التعبير عن هذا القانون، بأن الحركة الوطنية الفلسطينية ليست متماثلة مع غيرها من حركات التحرر من حيث ظروفها وعوامل قوتها الذاتية. فهي لا تستطيع على سبيل المثال تحقيق أهدافها وحدها، ولا يمكن للشعب الفلسطيني وحده أن يفوز في معركة شبه عسكرية ضد إسرائيل، لذلك فإنه بدون دعم خارجي فعال، وبدون تفعيل الإسناد العربي والدولي فإن الإنتفاضة ستبقى تراوح في مكانها بإنتظار هذا الدعم.
وتجدر الإشارة وبدون أية مبالغات إلى أن السنوات الماضية قد شهدت وبفعل تبدل المناخ الإقليمي والدولي إنتقالاً تدريجياً لمركز الثقل والتأثير في العملية السياسية الجارية بكل مركباتها من داخل الأرض المحتلة إلى خارجها، الأمر الذي بات يتطلب أكثر من أي وقت مضى تعزيز الجهد السياسي والإعلامي الخارجي وخاصة على الصعيد الشعبي وصولاً لتأسيس جبهة دولية واسعة تسند نضال الشعب الفلسطيني وتمكنه من تحقيق أهدافه في إنهاء الإحتلال.
ويبقى السؤال ماذا حققت الإنتفاضة في عامها الثالث وماذا يمكن أن تحقق في ظل الظروف الحالية!؟ وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المحيطة؟!.
لقد نجحت الإنتفاضة في إحباط صيغة كامب ديفيد المجحفة والمنقوصة، لحل القضية الفلسطينية على أساس التخلي عن القدس وعن حق اللاجئين بالعودة، والتي أبقت التجمعات الإستيطانية والسيطرة على حدود الدولة الفلسطينية تحت سيطرة إسرائيل، وكذلك أحبطت ورقة الأفكار الأمريكية التي جاءت في إطار الصيغة المذكورة، كما نجحت في تثبيت التمسك بأهداف النضال الوطني، وأنعشت الحالة النضالية الفلسطينية، وأظهرت مأزق الدور الأمريكي المنحاز لإسرائيل، وعززت الوحدة الوطنية الفلسطينية ولا سيما على الصعيد الميداني، وكشفت عدم جدية إسرائيل في التوصل إلى حل سياسي عادل يتجاوب مع المطالب الفلسطينية، وأوقفت نسبياً سياسة التطبيع الزاحف مع إسرائيل، وأعادت لفت الأنظار دولياً إلى ضرورة حل القضية الفلسطينية.
كذلك أكدت الإنتفاضة عدم إمكانية فرض حل على الفلسطينيين عن طريق فرض الوقائع الإحتلالية من جانب واحد، حتى وأن كان شارون لا يزال يراهن على فرض حل بالقوة العسكرية، وأنه لا يمكن المحافظة على إستمرارية الوضع الراهن، أو على إزدواجية السلطة – سلطة وطنية وسلطة إحتلال - على شعب واحد وفي بقعة جغرافية صغيرة هي المناطق الفلسطينية المحتلة لفترة طويلة من الوقت، وأنه لا يمكن التعايش بين سلطة وطنية تسعى لإنجاز الإستقلال الوطني لشعبها وبين سلطة إحتلال اجنبي تسعى لنسف مقومات هذا الإستقلال.
غير أن هذا المنظور لمجريات الأحداث وحده، ليس تصوراً شاملاً ومتكاملاً لكل ما حدث ولما يمكن أن يحدث. فالإنتفاضة الفلسطينية لم تستطع بقواها الذاتية ان تنتقل من حالة تثبيت الحقوق والمطالب الوطنية، أو من حالة الدفاع عن الإهداف إلى حالة الهجوم بالمفهوم السياسي لتحقيق الإنجازات. وهذا الواقع بقي ثابتاً تقريباً منذ إنتهاء العام الأول من الإنتفاضة وحتى الآن.
فلم تنجح الإنتفاضة على سبيل المثال في التحول إلى إنتفاضة عابرة للحدود كما رغب البعض، ولم تنجح حتى الآن في إطلاق تحرك سياسي جدي ينهي الإحتلال، أو في توظيف ضغوط لصالح تقريب فرص الحل النهائي العادل، كما لم تنجح في رفع وتائر التضامن العربي إلى مستوى التوقعات الفلسطينية، ولم تستطع تحقيق شعاراتها بتشكيل لجنة التحقيق الدولية، أو بكسر الإحتكار الأمريكي لعملية التسوية، أو بتوفير الحماية الدولية، أو برفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وعن رئيسه المنتخب...إلخ.
من الواضح أن الإخفاقات المذكورة ليست مسؤولية الإنتفاضة وحدها، لكن ما أفرزته من عوامل ضاغطة على الواقع الفلسطيني هو أمر لا يمكن تجاهله او القفز عنه، ولعل أكبر تأثير لهذه العوامل قد تمثل في تصفية المضمون الشعبي للإنتفاضة وفي إنتقالها الإضطراري إلى شكل المواجهة المسلحة، تحت وطأة عنف الإجراءات الإسرائيلية، وبعد أن أغلقت أمامها جميع الخيارات السياسية تقريباً.
وكان للمتغيرات الحاصلة على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية، أثارها الكبيرة في ضرب طوق سياسي حول الإنتفاضة، كما أن عدم قراءة هذه المتغيرات بشكل موضوعي من جانب بعض القوى الفلسطينية، التي تجاهلت كليا أهمية عوامل التأثير والضغط الخارجي، قد أسهم بشكل كبير في زيادة تدهور الأوضاع.
ولعل أبرز المتغيرات الحاصلة، قد تمثل بسيطرة اليمين في إسرائيل على السلطة، وبمجيء أريك شارون رئيسا للوزراء، وكذلك بأحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة التي دشنت ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، وبقيام الجيش الإسرائيلي بعد ذلك بإجتياح جميع مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، وبالأزمة الكبيرة التي أثارتها واشنطن ضد العراق والتي مهدت لشن الحرب عليه وإحتلاله، وما رافق ذلك من تهديدات أمريكية وجهت لمعظم دول المنطقة بضرورة محاربة الإرهاب. في ظل هذا الواقع وبالتحديد في منتصف العام الثالث للإنتفاضة جرى الإعلان عن خريطة الطريق التي قبلت بها القيادة الفلسطينية. وبذلك تكون هذه الإنتفاضة التي إبتدأت سياسياً برفض صيغة كامب ديفيد، وبالمطالبة بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، قد إنتهت في عامها الثالث بالقبول بخريطة الطريق.
وتعبر المسافة السياسية الفاصلة بين الصيغتين صيغة كامب ديفيد المرفوضة وصيغة خريطة الطريق المقبولة عن مأزق الحالة الفلسطينية الراهنة، التي إزدادت تعقيداً و خطورة بصدور القرار الإسرائيلي الأخير بالتخلص من الرئيس عرفات.
ويبقى السؤال: هل يمكن الخروج من هذه الحالة !! من الواضح أنه يمكننا ذلك في حالة أجدنا قراءة المتغيرات الحاصلة وتعاملنا معها بشكل عقلاني وبعيد النظر، وبما لا يعني الرضوخ أو الإستسلام إليها. فالخطوة الأولى في هذا الإتجاه تتمثل بالإمتناع عن القيام بأي عمل أو نشاط قد يلصق صفة الإرهاب بالنضال الوطني الفلسطيني. وأما الخطوة الثانية فتتمثل في إعادة الإعتبار للمضمون الشعبي والجماهيري للإنتفاضة الذي توقف منذ فترة طويلة، وفي إعادة المواجهة مع الإحتلال إلى ميدانها السياسي حيث تصعب جداً حركة الخصم.
ولعله من المفيد التذكير بأن بنيامين نتنياهو الذي يتبنى الآن مواقف أكثر تطرفا من اريك شارون، قد إضطر عندما كان رئيساً للوزراء وفي ظروف دولية وإقليمية ضاغطة أن يوافق على إتفاق الخليل وأن يتخلى عن 13 بالمئة من مساحة الضفة في إطار إتفاق وأي بلانتيشين. وعندما سئل نتنياهو في ذلك الوقت لماذا غيرت مواقفك؟ أجاب أنا لم أتغير وإنما الظروف هي التي تغيرت!!
وحتى بالنسبة لإشتراطات شارون الأمنية ومطالبته بتفكيك ما يسميه بالبنية التحتية للإرهاب، فهي إشتراطات قديمة طالب بها جميع رؤساء الحكومات الإسرائيلية السابقة من رابين وبيرس ونتنياهو وباراك ولم ينجحوا في تحقيقها وإضطروا بسبب المناخ العربي والدولي الضاغط ان يقدموا شيئاً ولو بسيطاً على صعيد الإتفاقات المرحلية، لكن تبدل المناخ في هذه المرحلة لغير صالح الفلسطينيين هو الذي حول هذه الإشتراطات إلى عوامل ضاغطة عليهم، وسمح لشارون بتعطيل أي تحرك سياسي بسببها مع تفهم العديد من دول العالم لمواقفه.
ومع ذلك وعندما تعرضت هذه الحكومة اليمينية إلى حملة ضغط دولية بسبب بناء الجدار العازل، فقد إضطرت لتعديل مساره وأعلن شارون بأن ضم كتلة أريئيل الإستيطانية داخل الجدار يتطلب مناخاً سياسياً دولياً أكثر ملاءمة.
وهذا الإعتراف من شارون يدلل على أهمية العامل الدولي؛ ويشير إلى أنه لا تزال تظهر في الأفق عوامل فشل سياسة إستخدام القوة العسكرية في تثبيت الإحتلال. وهذا ما أكده مؤخراً تصويت 133 دولة في الهيئة العامة للأمم المتحدة ضد القرار الإسرائيلي التخلص من الرئيس عرفات.
ومن هنا تصبح بذل الجهود من أجل إحداث إنعطاف أكبر في الموقف الدولي لصالح التضامن مع الشعب الفلسطيني ورئيسه وقيادته هو أمر ممكن ويمكن البناء عليه وتطويره وتحويله إلى أداة ضغط لا يمكن لأي حكومة إسرائيلية أن تتجاهلها.
وتبقى الإشارة إلى أن حزب العمل الإسرائيلي قد دخل في مأزق كبير عندما فشل مشروعه السياسي في كامب ديفيد قبل ثلاثة أعوام. وعلى نفس المستوى فإن حزب الليكود سيدخل في نفس المأزق، عندما يتضح تماماً عدم إمكانية فرض حل إستسلامي على الشعب الفلسطيني بالوسائل العسكرية؛ وكذلك عدم إمكانية فرض إشتراطات أمنية مجحفة بإسم خريطة الطريق أو غيرها، تحول السلطة الوطنية إلى أداة لخدمة الإحتلال وتجردها من شرعيتها المستمدة من كونها أداة لإستكمال عملية الإستقلال الوطني.
وهذه هي المهمة التي لا يزال على النضال الوطني الفلسطيني إنجازها في المرحلة القادمة. |