|
خارج التسامح أو التشنج وأبعد من مأساة الشعب العراقية وهي فعلية لا تـناقض فيها أبدًا بين الظاهر والباطن ، لا يمكن قراءة جوهر المواقف الأمريكية- البريطانية من العراق والمواقف الفرنسية- الروسية- الصينية المجابهة لها ، إلا من خلال واقع استراتيجي بالغ الأهمية هو البترول العراقي (والغاز أيضـًا في فترة لاحقة) .
فمنذ أيام ديزل الشهير الذي ابتكر أول محرك يدور بالبترول (عام 1892م) لا تـزال حرب القوى العالمية العظمى متقدة في العراق ، وفي هذا المجال ما قاله وقد يقوله المؤرخون ، وما يدور حاليـًا .
الصراع بين روسيا والبلدان الأوروبية والآسيوية الكبرى والولايات المتحدة الأمريكية يدور حاليـًا على منطقة زاخرة بالبترول والغاز تمتد من شمالي تركيا (القوقاز) حتى جنوبي إيران ، وهي منطقة تحتضن من الثروة البترولية ما يعادل حقول بحر الشمال كاملة ، والصراع هنا يشمل البترول بحد ذاته وسبل نقله إلى مستورديه أيضـًا ، أي البلدان المنتجة للبترول بحد ذاته وسبل نقله إلى مستورديه أيضـًا ، أي البلدان المنتجة للبترول في بحر قزوين والدول المشاطئة للبحر الأسود والمحيط الهندي وبحر عمان (إيران وباكستان) ، وإذا كانت فصول المنافسة على إنتاج هذا البترول وطرق عبوره محتدمة منذ سنوات فإن مواعيد الحسم بشأنها بدأت هذه الأيام في العدوان الأمريكي- البريطاني على العراق .
لقد أرادت الولايات المتحدة "تجميد" أهم بلدين خارج شبه الجزيرة العربية في مرحلة هذا الصراع هما العراق وإيران ، غير أن هذا التحييد ، وخصوصـًا في مسألة إيران ، بات عمليـًا مستحيلا ، لأن الحسابات الجغرافية والتجارية كلها لصالح إيران كمنطقة عبور مثالية للبترول المنتج أو المحتمل إنتاجه في منطقة بحر قزوين ، فضلا عن الغاز .
ومن الطبيعي أن لا يهمل العراق في معادلة هذا الصراع ، بدءًا من تحديث طاقات إنتاجه البترولية حتى تصبح قادرة على إنتاج ما يعادل حوالي خمسة مليارات دولار كل ستة أشهر .
فمن الثابت أن العراق يمتلك في أقل تقدير أكثر من عشرة بالمئة من احتياط البترول في العالم ، يضاف إلى ذلك سهولة استخراج هذا الاحتياطي بكلفة ضئيلة لا تتجاوز غالبـًا ثلاثة دولارات للبرميل ، وهناك حقول لا تـزال (بكرًا) حتى اليوم .
وهذا هو أحد جوانب التباين القائم حاليـًا بين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين من جهة أخرى . كل من هذه القوى العظمى بعد الولايات المتحدة الأمريكية يسعى إلى موقع في ساحة الصراع البترولية الجديدة ، والعراق أهم ورقة في هذا السباق . موقع في المنطقة الوحيدة تقريبـًا التي لم يحسم أمر الحضور البترولي فيها حتى الآن ، وبعضها امتداد للوجود الروسي ، كما يقول خبير الشؤون الجغرا- سياسية في مدينة ليون الفرنسية .
وفي هذا الصراع ، وبخلاف ما يوحي به الكلام السياسي الأمريكي ، تسعى واشنطن إلى الحد ، وحتى أقصى مدى ممكن ، من ارتهانها للبترول في شبه الجزيرة العربية ، ولو بتجشم نفقات مالية إضافية ، كما هي الحال عبر الاهتمام الأمريكي المتضاعف بالثروة البترولية في فنزويلا ، وهو سلوك لا يتوافق مع حديث الصداقة التي يدعيها الأمريكيون لبلدان المنطقة ، لكنه يتوافق مع كلام في الكواليس للعديد من المسؤولين الأمريكيين هو بكل تأكيد أقرب إلى المشاعر الحقيقية لصانعي القرار في واشنطن .
هذه الدورة الجديدة تدفع حكمـًا إلى غزو واحتلال العراق ، وذلك للتخلص من حالة الحجر الراهنة التي تفرضها واشنطن عليه لأسباب إسرائيلية وبترولية وليس لها أي مبرر تسلحي عراقي .
إن التسليم بمخاطر السلاح العراقي المزعوم ليس ممكنـًا إلا في ظروف سذاجة بعيدة أو حرب نفسية . هل أن الأسلحة الكيماوية العراقية هي الخطر على السلام العالمي وهي في أشد الاحتمالات لا تتجاوز بضعة أطنان ، في حين تمتلك روسيا أربعين ألف طن من هذه الأسلحة والولايات المتحدة ثلاثين ألف طن منها . ولا أحد يعرف حجم الترسانة الكيماوية الإسرائيلية إلا أصحابها ؟ وأقل من ذلك بأشواط ينطبق على ما يدعى الأسلحة البيولوجية .
وفي أي حال ، حتى ولو توفرت هذه "الكميات" من المركبات الكيماوية والبيولوجية لدى العراق ، فهي ليست أسلحة بالمعنى الحقيقي لأنها لا تصبح أسلحة إلا إذا توفرت لها أدوات نقل ، كالصواريخ أو الطائرات .
والمعروف جيدًا- وحتى وفق تقديرات "يونيسكوم" الشرسة ، إن ترسانة العراق من الصواريخ لا تتجاوز صاروخين في حالة أقرب إلى العطل . حتى تقرير هانز بليكس والبرادعي أكد خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل . إنها تغطية لما لا يدور الحديث عنه علنـًا : البترول . البترول الذي تشتعل من أجله حرب عالمية ثالثة حاليـًا . وهي حرب تتجاوز حرب الخليج الثانية ويتعلق بها مصير منطقة كاملة من شمالي تركيا حتى الخليج ، ولا تقرأ التحولات على مستوى التعامل مع العراق إلا على ضوئها .
* كاتب فلسطيني - الرياض |