|
انها موطن اول قدم عراقية في حرب التحرير و دولة الاستقلال الوطني ، هنا تلقى جنود الاحتلال اول الصفعات على وجوههم وبهم دمر جسر اطراف المدينة "بربوتي" 15 كم و قطعت سكة الحديد التي بنتها القوات البريطانية بمحاذاة الفرات.
على ضفتي الفراتين في الاوسط تنساب بيوتات الرميثة مع النهر بوداعة طفلة تغفو في دفئ حضن إمها وحياة عرب المثنى وقبائل "بني حكيم" خالية من روح أي جداثة او معاصرة وبها في السماوة غنج ودلال، يميل مع النهر وعند ضفائرها يزداد الملح فيغير مزاج الشاربين والسقاة ويطبعهم بحب الارض، ومن تراثها، تجزم المدينة التي ازعجت صلابتها الانجليز بان الارض من دون هذا الملح تفسد وربما لهذا تجد الرميثة و في جراحها "شري" ومرارة لا تعرف النسيان...! ولا النوم فوق وسادة ذل و كثبان من الرمل تعرفها بادية السماوة عن يقين !
خرجت الرميثة في عمرها المكتوب وعن بكرة ابيها مرتين مرة بوادع شهداءها الذين اعدمتهم سلطات الاحتلال البريطاني عام 1920ومرة -ومن مساوئ القدر - مع عودة هذا الاحتلال من بعد استقلال وثمانون عام لتودع كوكبة اخرى من شهدائها ممن اعدمتهم بالسر ومن دون محاكمات "دولة الاستقلال الوطني" بعيد هزيمة وحرب كان الجيش العراقي اولى ضحاياها بجثث ملاقاة على الطرقات اشلاء وبقايا اليات وعربات جنود محترقة بكل طرق و مدن الفرات حتى حدود الكويت فكانت الانتفاضة الشعبية التي احبطت بصفقة مقايضة ما بين قيادة الاحتلال والسلطة"، نعطيكم كل شيء، انسحاب جيش الى ما بعد خط ..، وحدود للكويت جديدة، وتدمير اسلحة، و فرق تفتيش، فقط اعطونا الطريق لدخول القوات الخاصة وحرس النظام لان يخمد انتفاضة عرب الجنوب".
ربما يستطيع الغريب والمراقب حين يزور ريف السماوة ان يرى بعينيه وبوضوح كيف تهتز غضبا قبور –الدوارس- عندما يتراجع الحراس و "النواطير" بما لهم من ابهة و"نياشين"ونعيم وقصور على الحصر والاستثناء ليختفوا جمبعا في ساعات ضيق وامام جيوش غزو وبخيانة وطنية كسرت ظهر العرب وليس العراقيين وحدهم, وربما هذا ما يتندر به شعراء "المهوال" في الريف وقبائل عرب العراق في الاوسط بعد كل هزيمة بقولهم "شلون ادحلب وانته آفه" باللهجة العراقية المحكية بمعنى كيف تنحني "تدحلب"امام الغزاة ولك كل هذه القوة من طول وعرض مخيف كما الآفة واسطورة هذا المخلوق الخرافي "اسود علينا وفي مواجهة الغزاة أرانب..." وهو ربما تماما ما اراده نزار قباني في قصيدته " من مذكرة عاشق دمشقي" وقوله فلسطين من يهديك زنبقة ومن يعيد لك البيت الذي خربا
• فواحد ببحار النفط مغتسل ... قد ضاق بالخيش ثوبا فارتدى القصبا • وواحد نرجسي في سريرته,,, فللخنى والغواني كل ما وهبـــــــــا • وقاتل في ذرى الاردن محترف,,, ما حرك القتل من اعصابه عصبــــا ان كانوا من نحروا التاريخ هم نسبي... على العصور اني أرفض النسبا !
"ذهبُ الرميثة الاحمر" وليراتها العشرون وحاجات شعلان ابو الكون...(!) ورسائله من السجن ما بين مشانق الاحتلال وجرفات القمع المخنث وقبور الدوارس في تراجيديا تبكي الصخور وتندي لها جباه الرجال ومن عندهم كرامة, نعم مخنث لان ليس بين اخلاق العرب وعاداتهم من يقدم على مثل هكذا قتل جبان, سجناء في حاوية وجرافة تحفر و رشاشات ومشوهين يطلقون النار بالجملة تحت جنح الليل والظلام ومن ثم وبعد ان ينتهي الجميع ويهال التراب بقبور دوارس يعمد الجناة والقتلة تحت رعب كشف جرائهم الى تهديد صاحب الارض بالحاقه بالاخرين ان هو تلعثم ببنت شفة لاحد او قال ما راى
*عام 1920 وفي ايام تصاعد المقاومة الوطنية في العراق والتي اندلعت في الرميثة وشارك العراقيون جميعا بها من اجل تحرير بلادهم و اجبار المحتلين البريطانيين على الجلاء، وفي عز تصاعد وتيرة المقاومة استطاعت وحدة من الخيالة البريطانية ومن بعد حصار وقصف مدفعي وجوي لمواقع الثوار في الرميثة وجوارها مضيف الوجاج والظوالم وقد استمر لواحد وعشرين يوما، حيث استطاعت الوحدة المذكورة ان تأسر قياديا بارزا هو شعلان ابو الكون من رموز المقاومة العراقية و من مشايخ قبائل المثنى.
اودعت قوات الاحتلال الشيخ شعلان سجن سراي الرميثة ومن بعد ايام وافق قائد الحامية البريطانية هناك على السماح لعدد من ابناء عمومته بزيارة الشيخ في معتقله ولوقت قصير حدده الضابط البريطاني على ان يحيط جنوده بالشيخ لمنعه مما قد يستلمه منهم او يسلمهم اياه ومن شانه ان يزيد من تدهور الوضع ويصعد من اعمال المقاومة والقيام باعمال عنف ضدقوات الاحتلال.
كان الموقف حرجا,الشيخ شعلان ابو الكون على بوابة السجن يحيط به جنود الاحتلال باسلحتهم ويحصون عليه انفاسه تحت طائلة العقاب بقطع الزيارة وطرد الزوار وهم الذين طلوا ينتظرون لاسابيع حتى يسمعوا منه وما يجب ان يوصلوه اليه.
وقف ابو الكون في نهاية دقائق –الزيارة- وصاح باعلى صوته , صاح بظهر الجميع مودعا... "لا تنسوا اريد سبع ليرات حمر ومن ذهب صافي من دون غش ولا شائبة او خليط من النحاس ..."!
" ها ما اكرر الوصية، اولادي اريدهم ذهب احمر صافي وعند صلاة الفجر"
ساله الضابط الانكليزي وماذا تفعل بالذهب في زنزانتك قال ابو الكون من يعلم ربما تحتجزونني لسنة او اثنتين وربما ثلاثة انتم قوة عظمى وجيوش ونحن اناس بسطاء وغير مسلحين كان اخونا المسلم التركي يمنع علينا حمل السكين, ادار آمر المعتقل البريطاني ظهره بعد ان جس القفل في بوابة السجن ليتاكد من احكامه , ذهب هو الى مقره وعاد زوار ابو الكون ومعهم اهم رسالة من قيادة الثورة .
وصلوا اهلهم ومواقع الثوار فرووا ما قاله ابو الكون لرفاقهم , بعد دقائق كان قرارا جماعيا بمهاجمة سراي الانجليز بقوة من رجال سبع من ذهب احمر كما اوصى القائد الكبير هكذا فهموا رسالة قيادتهم, وهكذا نفذوا هجوما مباغتا على موقع البريطانيين فقتلوا جنود السراي وفتحوا السجن و حرر الشيخ الاسير حيث غادر مبنى السراي بصحبة رجاله السبعة "الليرات" .
من بعد سنة على هذه الحادثة المميزة والجريئة في عمر المقاومة العراقية استطاع الانجليز وعبر صفقة مع اطراف اخرى من قيادة ثورة العشرين الوصول الى وقف لاطلاق النار تمكن البريطانيون خلاله من فرص الاختلاف بين مؤيد ومعارض لوقف النار , تمكن البريطانيون من اعتقال 13 ثلاثة عشر قياديا من رجالات الثورة وجرت محاكمتهم بسرعة ونصبت المشانق على الجسر في الرميثة واعدم رجال الثورة
لم تخنع الرميثة ولا تلوت بضعف , لملمت جراحها على ما فيها من ملح السماوة وذكرى كوكبة الشهداء الذين اعدموا على مدخل المدينة الشرقي فوق اعواد مشانق الاحتلال ,
*امس ومن بعد اسابيع من الاحتلال الجديد دخل المدينة شاب يحمل بيده ورقة صغيرة اسماها وصية من ابيه للجامع الشرقي وقال امام المصلين انا من السماوة وابي ترك لي وصية قبل ان يتوفاه الله من ان جثامينا لاهل مدينتكم قد دفنت هناك في السر على اطرف السماوة بوسط بستان لنا ومن عشرة سنين , ارجوكم لقد اوصاني ابي ان اطلب له الغفران منكم في ما كتمه عنكم مضطرا لان ضباط الجيش-احدهم نقيب- هددوه بالقتل واللحاق بالجماعة ان هو قال لاحد عما شاهد وراى !
تلك هي اثنا عشر عاما وما زال بي من الخوف من بشاعة وهول القتل لعزل مصفدين و من ثم ازاحتهم بسكين الجرافات, كان المنظر مرعبا وقد كنت ولدا صغير .ما ان انهى الشاهد قراءة ما جاء بوصية والده
حتى هرعت المدينة كلها الى بستان الرجل حيث احضر بقايا المغدورين بنعوش تليق بهيبة الشهداء الى المدينة فشارك الجميع في التشيع الى مقبرة خاصة وكان بين الجثامين التي دفنت في قبر جماعي ومن اثني عشر عاما قيادي ناصري و قيادي بعثي -اليسار- و مستقلين وضابط جيش احتياط وقضاة واعضاء مجالس بلدية وادارية وعمال و بائعي خضرة وبقالين, كان نسيجا اجتماعيا يشكل وجه المدينة وعرب ريفها لكل حصة وحسب دوره في العمل الوطني, وقد عرف منهم ابو جعيلة وشبر والجنابي والخزاعي وال ناصر والكيّتب والجوهر وابو الجطل ولهمود
بكت الرميثة شهدائها بفرح ساعات رحل جنود الاحتلال و اوقفت حرب الاستقلال وبعد عام ابتسمت ضفاف الفرات والرافدين بعيد الجلاء وقيام الدولة العراقية الحديثة و بدء عهد الاستقلال ومع العيد الاول استبشرت الرميثة وكل المدن العراقية – والامر بدهي-ان عصر القهر والمشانق والنفي والاسر والسجون والابعاد قد ولى مع الجنود البريطانيين والاحتلال , مفارقة موجعة ان يعود البريطانيون اليوم ومرة اخرى من بعد اكثر من ثمانين عاما من إجلاءهم الاول , يعودن اليوم بوجه "مساعدة"وفي كفهم جرائم "دولة الاستقلال الوطني" والاخ المناضل الطليعي "العروبي" الذي يريد ان يبني مجتمع الحرية والاشتراكية والوحدة "القومية", مفارقة موجعة ان ياتيك الموت من حيث تحتسب الحياة والفرح والمسرات ويطل عليك صانعي الموت بوجه من لا تعرفه بينهم من قبل و لا لك فيه عهد , العروبي الوطني في موقع القاتل , والعدو القومي التقليدي "صديق" !!!
هي فرصتهم لان يجملوا وجوههم القديمة القبيحة بما ارتكبته "دولة الاستقلال الوطني" و اجهزة القمع من مجازر ومقابر جماعية يندى لها جبين الرجال من الكرام ... ومن مازال فيهم بقية اخلاق وشيء من العرب الاولين ونجدتهم
*طلب احد الجناة الفارين من رجل مسن يتوكأ على عصاه النجدة فأجابه ابشر لا عليك حتى لو طلبتك الدنيا نجن معك حتى يفنى اخرنا ووقتها لله ولك والعرب العذر و منكم الغفران , لم يمض على قول الرجل المسن لحظات حتى وصلت طلائع هؤلاء الذين يطاردونه وحين اقتربوا عرفهم الشيخ المسن من انهم من بعض اولاده واولاد اخوته فقام وقال ما بكم ..؟ فرد احدهم ان هذا الرجل الذي تجيره وتجلسه في مضافتك قتل اخانا غازي , التفت الشيح الى المستجير متسائلا هل تعرف انك قتلت ابني الاكبر , انا هو والله ابو غازي لكن لا عليك انا اعطيتك الامان , ابق في محلك حتى نساعدك على الخروج من مضربنا وبعدها انت ونحن احرار ثم التفت الى اولاده ليقول اسمعوا جيدا لا يقربن احد منكم الى الرجل بأذى, انا خسرت غازي, ابني والخسارة موجعة فلا تجمعوا على خسارتين في لحظة واحدة ابني و خيانة شرف كلمة اجرت بها غريب , ساعدوني حتى نبعد الرجل فاحفظ لكم شرفكم وشرفي بين العرب !
هذه هي اخلاق عرب السماوة ببداوتها وفلاحيها وعاداتهم فهل يظنن احد منكم من ان عربيا سويا يمكن ان يطلق النار على اعزل ومعصوب العينين ومربوط بسلاسل, تلك هي اخلاقهم وليس لاهلنا وعرب العراق بها ذر صفات او خيط لون و اصل
*هو قدر العراق و الرميثة ان تبكي وتشيع مرتين، مرة شهداءها من المقاومة وحرب التحرير و الأستقلال الوطني
واخرى ضحايا دولة هذا "الاستقلال الوطني" و ما تركته خلفها اجهزة القمع المهزومة من عمليات قتل مخنث و جبان وعار اكتشاف المقابر الجماعية وفي اكثر من مدينة وحي من عرب العراق.
(1) "ابو الكون" تلفظ الكاف في اسمه الاخير كما يلفظها فلاحو طول كرم |