|
هي ليست بالنيات, ولا هي من شغل قاض, ومعضلة اثبات سوء النية من عدمه وتفرقته عن "اصحاب" النيات الحسنه وانما هي اصلا من "القواعد" المتعارف عليها والمعتادة في أي عملية مفاوضات من اجل طي صفحة الحرب وصولا للسلام, وتتلخص هذه "القاعدة" وتقوم على ما يستطيع ان يتأكد منه خصمك المفاوض دون وهم وبوضوح من اسباب القوة وما انت قادر عليه او تلوح به من دون تمويه والعملية متقابلة, كل يحاول من جهته ان يقرأ الآخر وما خلف -عدوه- خصمه من عناصر وما يمكن ان يراه من صور وملامح بأسباب القوة وأسلحة تمكن صاحبها من قول نعم او لا في اللحظة والتوقيت المناسب والمحسوب بضوابط المصلحة الوطنية والحد الأدنى الذي يقف عنده الكلام وينتهي... الى حيث البديل الآخر المعتاد ولغة المدفع, واذا كانت تلك هي القاعدة "الذهبية" التي تحكم سير أي مفاوضات وأي كان أطرافها, فما الذي يملكه ابو مازن في مواجهة شارون.. او بسؤال أدق ما الذي يملكه المفاوض الفلسطيني في مواجهة مفاوض الاحتلال؟
وابتداء ما هي صور "الخلفية" بعناصر القوة المثبتة في رؤوس المتفاوضين والتي يراها كلٌ من مكانه في خصمه على الجانب الآخر من طاولة المفاوضات ...؟
وبحكم هذه القاعدة فان ما يراه شارون في خصمه الفلسطيني وما يستطيع قراءته قياسا لما هو بين يديه ويملك يبدو واضحا وجليا والعكس صحيح ايضا، فأبو مازن يعرف او لا بد هو ان يعرف حجم الجالس أمامه في المفاوضات من قراءة بسيطة للصورة التي تنتصب خلف ظهر هذا "الخصم" وفوق رأسه في قاعة المفاوضات.
واذا كنا في هذا الخيال العلمي في حسابات القوة فاننا هنا في غير ما حاجة لأن نعدد ونكرر ما يملكه المفاوض الاسرائيلي وشارون من الناحية الاستراتيجة في حسابات ميزان القوى وضمان دعم الصديق القوي الذي يناصب الفلسطيني والعرب العداء ويحاصرهم اكثر من حليفه الاسرائيلي نفسه, فان السؤال المكمل واللاحق هو ما الذي يملكه المفاوض الفلسطيني وابو مازن واين هو يستطيع ان يقول لا...؟ ومتى؟ وما الذي بيده لو أصر الاسرائيلي وتمسك بشروط شارون والاحتلال وعقل المستوطنين والليكود وقناعاتهم التوسعية؟! "اقتلوا أبناءكم قبل أن نعطي أو نحن نقتلهم، ومن ثم نعطي" تلك هي معادلة شارون التي وضعها بخطاب رسمي امام مؤتمر حزبه وتجد دعما غير محدود من "الراعي" الامريكي!
قطعا ان الاجابة على السؤال أعلاه ليست بالعسير المستحيل رغم ما تشكله بشقها العربي الفلسطيني من احراجات يصل بعضها حدود التقصير "المتعمد" بلغة آهل القانون اذا اردنا تجنب نشر الغسيل ولغة الاتهام وخصوصا لجهة الحليف المفترض, الموجود الغائب –النظام العربي- الذي لا يؤكد حضوره إلا من اجل حماية سلطته ورأسه في زمن سياسات ما بعد 11 ايلول الامريكية وغطرسة القوة وما يحاول الامريكي في علاقاته الخارجية من محاولات تعميم "حقه" المطلق في تنصيب من يشاء من الحكام وعزل من لا يريد ويكره في المجموعة الدولية!
اذن وعلى ضوء هذا النمط المستهجن في التعامل الدولي فان المفاوض الفلسطيني وابو مازن ذاهب لمفاوضات وهو يعلم مقدما ان قاموسه التفاوضي يخلو تماما من مفردة "لا" في مواجهة "النعم" الاسرائيلية والعكس منه وفيه, لا بل هو لا يملك وفق العقل الامريكي وخارطة الطريق غير استحقاق نزع اسلحة "الترر" وقول الـ "نعم" لكل ما يتطلبه الامن الاسرائيلي دون معادل او مقابل وليس ذلك خياراً او رغبة بالتفريط من حكومة ابو مازن وانما هو واقع معاش لمن لا يملك ان يفرض الـ "لا" واحترام موجبات وقوفها عند حدود الموقف الوطني الفلسطيني العام وحده الادنى في – اجلاء المحتلين- ومن دون الخوض في التفاصيل, فاستطرادا وبما ان المفاوض الفلسطيني لا يملك ان يفرض هذه الـ"لا" سيضطر ليس الى تاكيد كل التنازلات السابقة, من اول تنازل مجاني, الغاء الميثاق الوطني الفلسطيني والالتزام بمفاعيل هذا الالغاء حصرا من دون شقه المقابل في التزام الاخر الاسرائيلي وما يقع عليه بما رتبته مستحقات مدريد وتفريخاتها, اوسلو ومشروع غزة واريحا اولا... ومن ثم اريحا اولا ...-الذي لم يصمد ايام- الى غزة اولا وفضيحة تصريحات العقبة وما يتداوله "الوسطاء" حاليا من انسحابات طفيفة لجيش الاحتلال الاسرائيلي من محيط غزة "المشروع المصري" مقابل سحب اسلحة المقاومة وادانة عمر ثلاثة اجيال من الكفاح الشعبي المسلح ودمغة بـ التطرف و"الترر" كما يريد السيد الامريكي و"يرتاح" ليطمئن على نفاذ طروحاته السياسية ودعاويه في بناء "تحالفه الدولي" تحت يافطة محاربة "الترر" واسلحة الدمار الشامل –هذه اليافطة التي تسع الجميع ما عدا اسرائيل- خصوصا وان هذا الامريكي مازال يحتفل بانتصاراته الجديدة على العرب بسحق العراق بحجة لم يستطع هو اثباتها حتى امام مؤسساته التمثيلية!
وباختصار شديد ليس فوق رأس المفاوض الفلسطيني ما يستند اليه ويحميه من اسباب قوة ودفاع, لا حائط ثابت يتكئ عليه –المحيط- ولا مستقر-وطني- فهو مهدد بأدخاله دوامة الحرب الاهلية والاقتتال ولا حليف دولي يدخل في حسابات التوازن والقوة التي وحدها تستطيع ان تردع العدوان وتمنعه خصوصا اذا كان نهج العدوان من مثل طبيعة الاحتلال الاسرائيلي وشارون, او على الاقل الحد من استهتاره ونهمه اذا ما اراد ان يغالي في قضم المزيد من الاراضي الفلسطينية وبناء المستوطنات تحت ظلال وعتمة المفاوضات وتعثرها المنظم والمحسوب بدقة!
ان ابو مازن لا يستطيع ان يفرض هذه الـ"لا" في مواجهة التوسع في بناء المستوطنات واذا قالها فانها تأتي في سياق مستلزمات الخطاب الجماهيري اليومي حيث سيضطر الى لعقها في اليوم التالي وهذا هو الراشح والممكن تحت حالة العجز العربي وما تفرضه آلية تنفيذ "خارطة الطريق" بتفرد امريكي واستبعاد الجماعة الاوروبية.
واذا كان الوضع بهذا المسار وهذا التردي والضعف, اذا كان الفلسطيني لا يملك من اسباب القوة الا وحدته الوطنية وحقه في استخدام السلاح من اجل تحربر بلاده وطرد المحتلين فان اعلان - رئيس الحكومة الفلسطينية- في لقاء العقبة وطواعية عن استعداده التام لإسقاط هذا الحق ... لا بل هو يشتم المتمسكين به ويطاردهم –هذا هو سيناريو "المقايضة" التي رواها الرئيس الامريكي نفسه بعد يومين من لقاء العقبة, فما الذي تبقى للمفاوض الفلسطيني وما هي وسيلة هذا المفاوض لحمل الاحتلال على الامتثال لقرارات الشرعية الدولية في الانسحاب الكامل من الاراضي التي احتلها في حرب الايام الستة عام 1967 في مقابل الاعتراف باسرائيل.
الاعتراف يا سيدي المفاوض بأيديهم ... ! ومن أوسلو, فما الذي تملكه انت وما زال في يدك لكي يعطيك الاسرائيلي مقابلا له, ستذهب امام صلف مفاوض يملك بيده جميع الاوراق الى حتفك وحدك إلا اللهم إذا اعتقدت ان الاحتلال الاسرائيلي سينسحب بضغط من "الصديق" الامريكي وحبا بسواد عيون ابو مازن وإكراما له.
وإلا ما الذي يجبر اسرائيل على إجلاء 200 ألف مستوطن من الأراضي الفلسطينية! هذا هو التحدي في السؤال وهو ما ينتظره الفلسطيني من مفاوضات "خارطة الطريق".
انها اللعبة الكبرى فلا طريق ولا خارطة له على الارض, إنها فقط أوراق خريف في مهب ريح وعواصف, فلا الفلسطيني يملك الوضع الذي يمكنه ان يفرض على الاحتلال الانسحاب الى حدود 67, ولا الاسرائيلي مستعد لمجرد التفكير في الانسحاب وترحيل اربعماية المستوطنين من الضفة الغربية وغزة, هكذا فقط لان شارون والليكود تنبهوا الان ان عليهم ان ينفذوا قرارات بالانسحاب من الاراضي المحتلة 67 مضى على صدورها من مجلس الامن اربعة عقود تقريبا, لا الفلسطيني جاهز ولا الاسرائيلي مستعجل، انما هي مشيئة ومصالح عالم القطب الواحد المتغطرس الذي وجد نفسه في موقع المحاصر بالعداء والكراهية والاستهجان خصوصا في الوسط العربي وفي العالمين الاوربي والاسلامي لما اقدم عليه من اعتداءات بحجج غير مقنعة, سفك خلالها انهارا من الدم العراقي فاراد ان يخفف من حدة هذا العداء بالتظاهر بموقع المحب للسلام الذي يحاول مساعدة الفلسطيني ويبني له دولته, هي "فترة زخم" خارطة الطريق وعلى الاحتمالين ان نجح محمود عباس في تنفيذ ما يريده الامريكي من "اصلاح" يطالب به الامريكي في الساحة الفلسطينية واوله ابعاد عرفات و"تنظيف البيت الفلسطيني من الترر" بمعنى شطب فتح والجهاد الاسلامي وحماس والدخول في حمامات الاقتتال الداخلي وهذا بحد ذاته يكفي خارطة الطريق واصحابها بـ"جائزة ترضية" بغض الطرف عما اذا استطاع الاعلام الامريكي والغربي ان يوظف ما سوف يطلق عليه الجهود الامريكية المخلصة من اجل تثبيت السلام الدائم وبناءه في الشرق الاوسط.
وبهذا ان انطلت على بعضنا "اللعبة" فاننا سنعطي أعداءنا القوميين –على عكس ما هم عليه- فرصة للظهور بمظهر داعية السلام والمحب للعدل والخير وتلك هي "الرشوة" التي يبحث عنها الامريكي ويريدها للتخفيف من حدة المعارضة لغطرسته في المنطقة وايضا هي محاولة لاظهار الفلسطيني ومن بعد جرجرته للاقتتال الداخلي بموقع المعادي والرافض للسلام والذي "تعود" ان يضيع "فرص السلام الامريكية" بين الحين والآخر!
وتتمة لهذا الاتجاه والمغزى فان الامريكي الذي نتهمه نحن "ظلما وافتراء" بدعم اسرائبل وشارون والمذابح اليومية, هو في "الحقيقة" الطرف الدولي "الوحيد" الذي حاول ويحاول مساعدة الفلسطيني في بناء دولته الوطنية إلا ان هذا الفلسطيني اغلق الباب بوجه كل المبادرات الامريكية وآخرها "خارطة الطريق" بالتملص من التزاماته بـ "امن اسرائيل" ونزع سلاح المتطرفين – وهذه المرة ليست حماس وحدها وانما اضيفت اليها فتح والجهاد الاسلامي.
اذن، هي اللعبة الكبرى وهذا ما يريده الامريكي وما يظن انه سيعطيه الفرصة للقول بتقصير الفلسطيني وان ابو مازن لم يف بكامل التزاماته بنزع اسلحة "الترر" فاننا الامريكيين والاسرائيليين مضطرون للقيام بهذا العمل بدلا عنه "لانه فرخ لم يظهر بعد له ريش" كما وصفه شارون امام مؤتمر الليكود الاخير وعقب عمليات استباحة غزة بالاباتشي والاغتيال والقتل الجماعي.
|